العيني
283
عمدة القاري
رواية هشام المعلقة المذكورة في آخر الحديث ، وهذه الصيغة في حكم المرفوع ، وكذلك ، كنار وكانوا ، ونحو ذلك لأنه وقع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وقررهم عليه فهو مرفوع . معنى : قوله : ( أن تحد ) كلمة أن مصدرية ، والتقدير : كنا ننهى عن الإحداد . قوله : ( فوق ثلاث ) يعني به الليالي مع أيامها ولذلك أنث العدد . قوله : ( إلا على زوج ) كذا هو في أكثر الروايات ، وفي رواية المستملي والحموي : إلاَّ على زوجها الأول موافق للفظ : تحد غائبة . والثاني : بصيغة المتكلم قاله الكرماني : ويقال : توجيه الثاني أن الضمير يعود على الواحدة المندرجة في قولها : ( كنا ننهى ) أي : كل واحدة منهن . قوله : ( وعشراً ) أي : عشر ليال ، إذا وأريد به الأيام لقيل : ثلاثة بالتاء ، وقال الزمخشري : في قوله تعالى : * ( أربعة أشهر وعشراً ) * ( سورة البقرة : 234 ) لو قلت في مثله : عشرة ، لخرج من كلام العرب ، لا نراهم قط يستعملون التذكير فيه ، وقال الفرق بين المذكر والمؤنث في الإعداد إنما هو عند ذكر المميز أما لو لم يذكر جاز فيه التاء وعدمه مطلقاً فإن قلت : وعشراً منصوب بماذا ؟ قلت : هو عطف على قوله : أربعة وهو منصوب على الظرفية . قوله : ( ولا تكتحل ) بالرفع ، ويروي بالنصب ، فتوجيهه أن تكون لا زائدة وتأكيداً فإن قلت : لا ، لاتؤكد إلاَّ إذا تقدم النفي عليه . قلت : تقدم معنى النفي وهو النهي . قوله : ( وقد رخص ) أي : التطيب . ذكر استنباط الأحكام . الأول : وجوب الإحداد على كل من هي ذات زوج ، سواء فيه المدخول بها وغيرها ، والصغيرة والكبيرة ، والبكر والثيب ، والحرة والأمة ، وعند أبي حنيفة : لا إحداد على الصغيرة ولا على الزوجة الأمة ، وأجمعوا أن لا إحداد على أم الولد والأمة إذا توفي عنها سيدها ، ولا على الرجعية ، وفي المطلقة ثلاثاً قولان ، وقال أبو حنيفة ، والحكم أبو ثور وأبو عبيد : عليها الإحداد ، وهو قول ضعيف للشافعي ، وقال عطاء وربيعة ومالك والليث والشافعي وابن المنذر : بالمنع ، وحكي عن الحسن البصري أنه لا يجب الإحداد على المطلقة ولا على المتوفي عنها زوجها ، وهو شاذ وقال ابن عبد البر : أجمعوا على وجوب الإحداد ، إلاَّ الحسن فإنه قال : ليس بواجب ، وتعلق أبو حنيفة وأبو ثور ومالك في أحد قوليه ، وابن كنانة وابن نافع وأشهب بأن لا إحداد على الكتابية المتوفي عنها زوجها المسلم بقوله في الحديث : ( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد ) الحديث ، وقال الشافعي وعامة أصحاب مالك : عليها الإحداد سواء دخل بها أو لم يدخل بها . فإن قلت : لم خص الأربعة الأشهر والعشرة ؟ قلت : لأن غالب الحمل تبين حركته في هذه المدة ، وأنث العشر ، لأنه أراد به الأيام بلياليها ، وهو مذهب العلماء كافة إلاَّ ما حكي عن يحيى بن أبي كثير ، والأزاعي أنه أراد أربعة أشهر وعشر ليال ، وإنها تحل في اليوم العاشر ، وعند الجمهور : لا تحل حتى تدخل الليلة الحادي عشر ، وهذا خرج على غالب أحوال المعتدات أنها تعتد بالأشهر ، أما إذا كانت حاملاً فعدتها بالحمل ويلزمها الإحداد في جميع المدة حتى تضع ، سواء قصرت المدة أم طالت ، فإذا وضعت فلا إحداد بعده وقال بعض العلماء : لا يلزمها الإحداد بعد أربعة أشهر وعشراً وإن لم تضع الحمل . الثاني : فيه دليل على تحريم الكحل سواء احتاجت إليه أم لا ، وجاء في ( الموطأ ) وغيره عن أم سلمة : إجعليه بالليل وامسحيه بالنهار . ووجه الجمع إذا لم تحتج إليه لا يحل لها فعله ، وإن احتاجت لم يجز بالنهار دون الليل ، والأولى تركه لحديث : إن ابنتي اشتكت عينها أفنكحلها ؟ قال : لا ، ولهذا إن سالماً وسليمان بن يسار قالا : إذا خشيت على بصرها إنها تكتحل وتتداوى به وإن كان مطيباً ، وجوزه مالك فيما حكاه الباجي تكتحل بغير مطيب وقال صاحب ( التوضيح ) والمراد بالكحل الأسود والأصفر ، أما الأبيض كالتوتيا ونحوه فلا تحريم فيه عند أصحابنا إذ لا زينة فيه ، وحرمه بعضهم على الشعثاء حتى تتزين . الثالث : فيه تحريم الطيب ، وهو ما حرم عليها في حال الإحرام وسواء ثوبها وبدنها . وفي ( التوضيح ) يحرم عليها أيضاً كل طعام فيه طيب . الرابع : فيه تحريم لبس الثياب المعصفرة ، وقال ابن المنذر : أجمع العلماء ، على أنه لا يجوز للحادة لبس الثياب المعصفرة والمصبغة ، إلاَّ ما صبع بسواد ، فرخص فيه عروة العصب ، وأجازه الزهري وأجاز مالك تخليطه ، وصحح الشافعية تحريم البرود مطلقاً ، وهذا الحديث حجة لمن أجازه نعم ، أجازوه فيما إذا كان الصبغ لا يقصد به الزينة ، بل يعمل للمصيبة واحتمال الوسخ كالأسود ، والكحل ، بل هو أبلغ في الحداد بل حكى الماوردي وجهاً أنها يلزمها في الحداد ، أعني : الأسود . الخامس : فيه الترخيص للحادة إذا اغتسلت من الحيض لإزالة الرائحة الكريهة ، وقال النووي وليس القسط والظفرة مقصوداً للتطييب ، وإنما رخص فيه لإزالة الرائحة ، وقال المهلب : رخص لها